Monday, July 27, 2009

شبكة امان


سأسافر..ربما سأسافر بلا عودة....هكذا تحدثني نفسي هذه الايام

فكرة السفر بلا نية للعودة تغريني كثيرا و تعدني براحة بال لم احصل على مثلها من قبل

لاشيئ يربطني بهذه الارض سوى جذور من الحب..جذور كثيرة متشعبة ومتشابكة..وقوية كذلك..لاشيئ يربطني بهذه الارض سوى اشخاص لا يشبهونني ولكنهم يمتكلون ارواحاً تشبه روحي واحزاناً تشبه حزني...وسعادة تشبه سعادتي..اشخاص هم شبكة الامان بالنسبة لي

ربما لأجلهم سأفكر مرتين قبل ان اسافر..هؤلاء الاشخاص الذين يحيطون بي من جميع الاتجاهات يبنون حائطاً كبيرا في وجه تعاستي يمنعونها من المرور الي روحي ويملئون حياتي بالصخب المحبب

ربما من اجلهم سأفكر مرتين قبل ان يصيبني اليأس..وربما من اجلهم لن اترك قلبي ليتحول الى قطعة حديد باردة وجافة

هؤلاء الاشخاص الذين استطيع وبلا تفكير كثير ان اتشارك معهم اخباري السخيفة دوماً..اقتسم معهم الحكايات والاحلام..والطموح..معهم فقط لا ابالي بالتعاسة ولا يخيفني الحزن ولاتهددني الذكريات القديمة

سأسافر..ربما سأسافر بلا عودة....هكذا يوسوس لي شيطاني هذه الايام

اعرف اني هشة..اعرف ان الحنين سيتلاعب بي وانا هناك...سيجبرني على مكالمتهم مرتين يومياً ربما اكثر..سأحلم بهم كثيراً..سأفتقد الدفء والضحكات الذين يحيطون بي وانا معهم...سأفتقدني وانا معهم

لاشيئ يربطني بهذه الارض سوى جذور من الحب..جذور كثيرة متشعبة ومتشابكة..جذور تعلمت مع الوقت ان ازيد من تعقيدها وتشعبها وقوتها

تعلمت ان الحب وحده هو من ينبت لنا جذور قوية ومتشابكة..وهو ماسيجعلنا نفكر مرتين قبل ان نقتلع تلك الجذور

Monday, July 6, 2009

ثرثرة


افكر في ان كل ما احتاجه من العالم حالياً هو فيلم جيد وايس كريم المانجو من قويدر..كل ما كان في السنوات السبع الماضية يبدو كهلاوس سمعية وبصرية لا اكثر..مجرد رتوش اخرى في اللوحة..كل الاشخاص الذين خسرتهم لاسباب لاتزال مجهولة وكل الاشخاص الذين كسبتهم لنفس الاسباب المجهولة...رتوش


لاشيئ هناك سوى ايس كريم المانجو


افكر في ان كل ما احتاجه من هذا العالم الواسع..هو مساحة غرفتي فقط وبعض اغاني منير وفيروز وسأكون بحالة جيدة..ربما سأحتاج الى ان اتمسك بيد دافئة تعبر بي الشارع..ربما لن ابكي بعد الان بسبب اشياء تافهة


في المساء تشاهد امي برامج مثل تسعين دقيقة.. والعاشرة مساءً.. والحياة اليوم..تشاهد حالات اغتصاب الاطفال..و الخطف والقتل وجميع ما يخطر على البال من كوراث..تشاهد كل ذلك ويمتلئ قلبها بالخوف اكثر..تخاف من ظلام الليل اكثر..تجبرنا على العودة الى البيت قبل وصوله كما لو كانت جميع المصائب تحصل في الليل فقط


تخوفنا امي من جرائم الخطف والاغتصاب والقتل..كلامها يجعلني اشعر وكأننا في غابة ونحن المخلوقات الاضعف فيها...كل ذلك الصخب وذلك الرعب الذي يملئ قلبها يجعلني لا احتاج الا مساحة غرفتي فقط..لا احتاج الا الى ايس كريم مانجو ويد دافئة تعبر بي الشارع


تتلون الحياة بطريقة رائعة..تبعث لي برسائل طوال الوقت..وانا اختار الا افهمها طوال الوقت..في الحقيقة لم اعد اؤمن بموضوع رسائل الحياة هذا بعد الان..ذلك تماماً هو نوع القناعات الذي احاول اخراجه من حياتي..لاشئ يسمى رسائل خفية من الحياة تهدينا احيانا ان نحن ضللنا طريقنا...ولاشخص هناك يدعى بصانع الاحلام..والكلام الذي نقوله لشخص ونحن واقفين بالقرب من النافذة لن يصله مع الهواء..سيتبدد كما يتبدد الهواء تماماً


في طريقي الى وسط البلد لشراء ايس كريم مانجو من قويدر ترن في اذني كلمات امي عن الاشخاص السيئيين الذين يقتلون ويخطفون ويغتصبون..ويملؤني الخوف اكثر..ربما لأني وحيدة..وربما لأن نسبة الواقعية التي اضفتها مؤخراً لحياتي اصبحت كبيرة جدا بالنسبة لي...وربما لأن اليد التي ستعبر بي الشارع..تلك اليد الدافئة..لم تأتي بعد..ولكن الاحتمال الاكبر هو لأني لم اجد ايس كريم مانجو


افكر ان كل ما احتاجه من الحياة هو فيلم جيد..وايس كريم مانجو من قويدر
وان تدعني وشأني

Saturday, June 13, 2009

مدينة اسمها..القاهرة


السادسة صباحاً..القاهرة تستيقظ بعد ليلة طويلة


القاهرة..المدينة العجوز المنهكة دائماً الصارمة مع اولادها..ولكنها في الصباح تبدو كسيدة عجوز طيبة..هادئة.. سمراء البشرة تملئ التجاعيد وجهها ويديها..تتناول عكازها لكي يساعدها على مواجهة الحياة..ترسم ابتسامة منهكة على وجهها..وربما تتمتم بأذكار الصباح..تمسح بحنان على رؤوس الذاهبين الى اعمالهم وتدعو لهم بالتوفيق


هكذا رأيتها هذا الصباح..طيبة ومسالمة وحنونة


الثانية ظهراً..


مازلت القاهرة تلك السيدة العجوز...ولكنها هذه المرة عجوز شريرة ثائرة الشعر...تلبس رداء اسود..غاضبة دائماً..تبدو كالتنين الذي ينفث النار..تهوى التلاعب بأعصاب الناس..تعشق الخدع الماكرة وتتلذذ بتعذيب المارة بشمسها الحارقة..من يجرؤ على تحديها..فالويل له

الثانية عشر صباحاً...كورنيش النيل


القاهرة تغير جلدها وتتحول الى تلك السيدة العجوز المتصابية بعض الشيئ التي تلطخ وجهها بالاصباغ..ترسم عينيها بكحل اسود ثقيل..وتزين شفتيها بلون احمر صارخ..تلبس ذلك الفستان عاري الكتفين..وتبتسم في دلال لمعجبيها..تطبع على وجنتهم قبلة دافئة..ويحملهم نيلها الى اماكن رائعة..تجعل قمرها مضيئ بشدة..تظل ساهرة الى ما بعد الفجر بقليل تضحك مع هذا وتستمع الى ذاك..وام كلثوم تشدو في الخلفية وتقول لأحد ما انه عمرها


ينتهي اليوم واقع انا في غرام القاهرة...في الحقيقة لقد في وقعت في غرامها منذ اليوم الاول الذي وطئتها قدماي..ولكن
تكمن المشكلة في اني اصبحت قاهرية جداً..قاهرية بطريقة لا تحتمل

انا فتاة قاهرية تماماً..ابنة المدينة النوذجية
التي تنتظر الميني باص الاخضر طويلاً لأن مصروفها لا يكفي دائماً لايقاف تاكسي

انا الفتاة القاهرية التي التصقت بي هذه الصفة منذ سبع سنوات فقط..وكنت قبلها الفتاة الوافدة من الخارج..السائحة بعض الشئ التي لاتعرف كيف ينتظر الناس المواصلات العامة بهذا الصبر وهذه الثقة في عدالة السماء

ولكني الان فتاة قاهرية..اقفز احيانا من الميني باص وهو يتحرك واركبه وهو يوشك على التحرك ايضاً..اعتقد اني كففت منذ زمن عن انتظار ان يتوقف لي تماماً..ربما بسبب ضيق الوقت وربما بسبب انحراف مزاجي الدائم...لا احد يعلم لما افعل في نفسي ذلك..وانا ايضاً لا اعلم..كل ما اعرفه انه يلزمني ان اركب ذلك الميني باص

تحولت الى فتاة عملية...ربما قاسية بعض الشئ...ابنة المدينة التي لاتتحدث مع الغرباء ولاتبادلهم ابتسامة بابتسامة لأنها تخاف كثيرا من حوادث الخطف والسرقة..ابنة المدينة التي لاتجرؤ على ملاعبة طفل يجلس في حضن امه خشية ان تظن الام بها سوء

الحياة في القاهرة؟

ليست بالشئ الرائع دائماً
ان تجبر اجباراً على التكيف والاندماج في حياة انت تعرف يقينا انك لم تخلق لها..ذلك الزحام الشديد الذي يسلبك اي فرصة للحلم..وتلك السيدة الفظة التي تتعمد ان تدوس على قدمك..وذلك اللص الذي تعرف من عينيه انه لص ولكن نضوجك يمنعك من ان اتصرخ وتقول حرامي

في القاهرة..كل شيئ يصبح قاهري وسريع بالتدريج..كل الاشياء تصطبغ بلون عوادم السيارات الكثيفة وتفقد قدرتها على اللمعان..حتى انت..حتى الاحلام تصبح رمادية..باردة..ومقتضبة وكأنها مستعجلة للذهاب الى مكان اخر غير خيالك
في القاهرة ننسى بسرعة شديدة..او نتناسى..ونتعلم ان نتجاوز جروحنا واخفاقاتنا لكي تستطيع الحياة ان تقبلنا مرة اخرى في صفوفها

في القاهرة لاشئ حقيقي تماما...هناك اشياء تشبه الحب..واشياء تشبه الحزن..واشياء تشبه الغضب ولكن لاشئ حقيقي تماماً..لا شيئ يهم سوى ان تلحق بالميني باص القادم ان فاتك الاول

ولكن عندما يأتي وقت الغروب..وتصبح القاهرة متسعدة للاحتفال بأن يوماً اخر مر في سلام...عندها فقط يمكنك ان تقع في غرامها مرة اخرى بسهولة شديدة...تفتح لك ذراعيها وتعدك بأيام قادمة اجمل.. ترسل لك نسمات من الهواء البارد وتعدك بالافضل..فلا تملك الا ان تقع في غرامها مرة اخرى...تغني ام كلثوم وعبد الحليم في خلفية احلامك وتقرأ افكار صلاح جاهين فلا تستطيع الا ان تقع في غرامها مرة اخرى

يرن هاتفك المحمول وانت على كورنيش المعادي فتصبح الحياة اكثر احتمالاً..وتشكر القاهرة مدينتك السحرية على هداياها...تشرب القهوة الممزوجة بالشيكولاتة في ذلك المقهى فتشعر بأنه لا مكان اخر في العالم غير القاهرة يمكنه ان يسع سعادتك وأحلامك هذه الليلة
في الواقع لن يستطيع مكان اخر ان يفعل ذلك..ولن تستطيع انت ان تحمل مكاناً اخر غير القاهرة في قلبك..اعتقد انها ستستولي على كل الفراغ الموجود هناك

:)

Saturday, June 6, 2009

محاولات جدية للسخف..وللحياة


افتقد كوني تلك الفتاة الهادئة التي تكتب كثيراً..التي تشعر ان البشر مخلوقات جديرة بالاهتمام حقاً ويجب الكتابة عنهم بشغف وبحب شديدين...افتقد الفتاة التي تشعر بالوحدة في الزحام والتجمعات فتكتب وتتعرف على المحيطين بها بدون ان تتبادل معهم جملتين كاملتين


افتقد مساحتي الخاصة...افتقد مدونتي وذلك الوهم بأن احد ما يقرأني فعلاً...افتقد شرائي للدفاتر الجديدة في كل اول سنة للكتابة فيها لكنها تظل فارغة لان جهاز الكمبيوتر يحل محلها بسرعة كبيرة..حلم الورقة والقلم الذي ربتني عليه مدرسة اللغة العربية في مدرستي الاعداداية يموت ببطء...قالت لي يوماً: لاتطلبي الكتابة ولا تسعي اليها..هي ستأتي اليك عندما ترى الوقت مناسباً لها


ربما لأني انسانة عنيدة جداً..وربما لأن تلك الشخصية قالت اني اكتب اشياء لامعنى فقد قررت ان اكتب اشياء لامعنى لها اكثر واكثر واكثر..لمجرد العند


لن اكتب عن اشياء مضت..لن اكتب عن قصة رومانسية لم تكتمل..لن افتح دفاتري القديمة وانقل منها صورة انسانة كانت انا فيما مضى..انا ابنة اليوم....رغم انف العالم انا سخيفة وسأظل كذلك


اعود بالتدريج الى مداري..فيروز وقهوة زيادة هذه المرة..بعض الذكريات لن تضر..منير يلطف الاجواء قليلاً..مكالمة هاتفية غير متوقعة تسعدني حقاً وتجعل العالم محتمل قليلاً....ولويس ارمسترونج يقول ان العالم رائع...وفكرة تراودني تقول: ربما لن اتخلى عما اكتبه بهذه البساطة لاعتقادي انها من الاشياء القليلة التي اتوهم اني اجيد فعلها بمهارة..لن اتخلى عما اكتبه فقط لانها اشياء بلا معنى وسخيفة..احب واقع اني مازلت اتمتع بالقدرة على السخف


تملؤني الاحتمالات القادمة ببهجة شديدة..بهجة محتملة..ولكنها حقيقية جدا..بهجة متوقعة ولكنها ملموسة جدا...اعرف ان عودتي للعالم الواقعي ولعبي دور الناضجة لن يطول..قريباً ساعود لانضم لصفوف الحالمين مرة اخرى..عندها فقط ستتحقق الاحتمالات...اعرف اني سأواجه فشلاً ذريعا اذا حاولت ان اكون شخصا ليس انا..اذا حاولت ان اتخلى عن سخفي و عن اشيائي الاساسية التي تجعلني مرتبطة بكوني الصغير


"ده كل يوم فيه الف..الف احتمال"

Friday, April 24, 2009

وصية


اجلس على سيراميك غرفتي البارد بعد يوم طويل في ترتيبها وتنسيق دولاب الملابس..انظر الى دولابي الكبيرو افكر في مدى حاجتي الى كل تلك الملابس والحقائب


لا ادري لماذا افكر في الموت كثيراً مؤخراً..افكر في اشيائي الحميمة..لمن سأتركها وماذا سيكون مصيرها بعدي
دفتري الازرق الكبير الذي يحوي افكاري ومشاعري..انتصاراتي وهزائمي..ربما قطعة من روحي كذلك..خاتمي الفضة ذو الفص الفيروز هدية امي لي...الارنب الابيض الكبير وفيونكته الزهرية هدية دعاء لي...فوزية وريهام.. وسارة اختي..أمي وأبي


اقرر اني سأكتب وصيتي..سأكتب وصية طويلة اشرح فيها كل لحظات ضعفي التي كنت ادعي فيها القوة....سأشرح كذلك لماذا كنت عنيدة جدا في بعض الاحيان..سأعتذر عن كل زلات اللسان التي بدرت مني..وعن لحظات جبني


يقول أحمد دوما ان الموت علينا حق..لا اعتراض لي على كلمته هذه ابدا..ولكن المشكلة انه يأتي فجأة بطريقة لاتمكنك من قول الوداع..نعم الوصية هي فكرة رائعة ولامعة


افكر ان احد لن يستطيع ان يتعامل مع اشيائي بطريقتي..ربما ستفتقدني ان غبت مدة طويلة.. ستفقد لونها والحياة التي تختزنها بداخلها


في وصيتي سأطلب ان لا يبكي احد علي..ربما يبكون قليلا بدون صوت..ولا اريد ان يرتدي احد السواد..طالما احببت الاسود في كل المناسبات ماعدا الجنائز..اشعر انه يزيد الميت موتا ويزيد الحزين حزنا..ولكنه في مناسبات اخرى يمنح الدفء حتماً..ربما يرتدون لونا دافئاً كالاحمر لو توفيت في الشتاء..او لونا منعشا كالاخضر لو توفيت في الصيف


مجموعة ماوراء الطبيعة لدكتور احمد خالد توفيق بأكملها سأتبرع بها لمكتبة مصر الجديدة..عتبات البهجة سيذهب لهبة..فوضى الحواس سيذهب لنادين..ازهار للسيدة هاريس سيذهب لأختي سارة..مصحفي الصغير ستأخده امي ليساعدها على تخطي موتي كما ساعدني في الكثير..كل روايات اجاثا كريستي سـتأخذها سارة ايضا


ملابسي لن يأخذها احد..سأتبرع بها لجمعية خيرية..خصوصاً الجوارب والاحذية والكوفيات الصوفية الثقيلة ماعدا القطنيات..جميع القطنيات تذهب لأختي..اعرف كيف يتحسس جلدها في الصيف من الحرارة الشديدة ولاشيئ كالقطن يساعدها


لا اريد كذلك عادة الثلاثة ايام التي نشتهر بها نحن الجنوبيون..يوم واحد من الحزن علي يكفيني..يوم واحد من البكاء والافتقاد يكفيني..يوم واحد من الانكسار يكفي..يكفي جدا


سأدفن في مدافن عائلة أمي بالتأكيد..تحديداً بجانب أمي زينب


ربما سأطلب من فوزية وريهام ان يقيموا حفلة على شرفي بعد موتي..لا اريدهم ان يجتمعوا ويبدأوا البكاء علي وعلى شبابي الضائع..اريدهم ان يستمتعوا بحياتهم وان أظل بينهم كشبح طيب يستحضر ذكريات جميلة ورائعة وليس كظل شرير يكتم الانفاس ويستحضر الدموع..بعض القران سيفيدني بالتأكيد


جميع مجوهراتي ستقتسمها أمي وأختي وخالاتي وسماء ابنة خالتي


اعرف انها انانية مني ان اتمنى ان اموت قبل أمي وأبي وجميع من أحب..لكني لم أتعامل مع الموت من مسافة قريبة قط كنت كلما اسمع عن موت قريب ما اترحم عليه..احزن قليلا..وأتابع يومي كالعادة..أحمد الله على اني لم احزن حزنا عميقا يقتلعني من جذوري ولا اعتقد اني استطيع ان اتعامل مع حزن كهذا


بعد حزن كهذا اثق في ان الاخرين سيعيشون..سيتذكرون من حين لأخر ولكنهم في النهاية سينسون..في النهاية سيكون جرحهم قشرة رقيقة قبل ان يشفى بالكامل..ولكن انا سيظل جرحي عميقا غائرا قبيح الشكل ينزف طوال الوقت..حتى وان لم يره الاخرون

Monday, April 6, 2009

ليمون وعسل


استيقظ بألم حاد في حلقي..أدرك ان الانفلونزا استولت علي تماما

حين امرض اشعر اني وحيدة..ان الحياة تخلت عني بقسوة غير مسبوقة..اجلس على الهامش في هدوء اتناول ادويتي واشرب الليمون بالعسل..اسعل بشدة..وانتظر

في الثامنة مساء...اختنق في زحام الكوربة...الطريق لايتحرك ويبدو ان جميع من يملكون سيارات في القاهرة قد قرروا ان الكوربة هي جنة الله في الارض...ذلك المكان يصبح متوحشا بحق في المساء اسعل بصوت عالي فتنظر لي السيدة المجاورة شذرا وكأنه ليس من حقي ان افعلها في مكان عام ولكني اواصل سعالي بتحدٍ...منذ فترة طويلة كففت عن التفكير فيما سيظنه الناس بي..فقط افعل ما يحلو لي حينما اريد

لا اقوى على التنفس..اقل حركة تشعرني بالتعب ولكن المتعب حقا هو غياب الحياة في حضرة المرض..لاشئ يشم ولا شئ يذاق..كل الروائح والمذاقات اختفت..حتى طعم المرارة اختفى..فليكن كنت اتذمر دائما اني احتاج الشيكولاتة دائما معي لكي اتغلب على طعم المرارة الذي يرافقني..الان اختفت المرارة..مؤقتا ربما ولكنها اختفت..كل ما احتاجه حاليا هو العسل..اسخر من نفسي وانا افكر اني احتاج العسل ليعيد لي مرارتي التي تعودت عليها وألفتها

حين امرض..تتلقفني الافكار والهواجس..تقيم حفلة على شرفي..تخبرني بشر شديد ان اليوم لا مفر لي منها..استمع الى موسيقى الياس الرحباني وعمر خيرت واحاول الابتعاد عن هواجسي وعن الكوربة وعن ذلك المقعد بجانب الكنيسة الذي اتجاهله كلما مررت به

حين امرض..احتاج الى ان يحضر لي احد ما مجموعة من النكات المضحكة..والذكريات السعيدة..والاخبار الجيدة..والابتسامات الصافية...احتاج الى ان يصنع لي احد كوب كبير من الليمون بالعسل ويقدمه لي..يتحسس جبهتي ليتأكد ان حرارتي عادية.. يغطيني ويجلس بجانبي ليقرء لي رواية نهايتها سعيدة..احتاج الى ان اتحدث والى ان استمع والى ان اضحك

العاشرة مساء..تملؤني رغبة قوية في شرب شيكولاتة ساخنة..لكني اتراجع فلا شي اقسى من المرض الا عدم تمكني من تذوق الشيكولاتة...بعد تفكير استبدلها بكوب بابونج ساخن ظلت امي تنصحني بشربه منذ يوم كامل وانا اتهرب منها

الواحدة صباحا...مذهل مايستطيع ان يفعله بنا المرض..بأجسادنا الواهنة وقلوبنا الاوهن..وارواحنا الهشة...مذهل كيف يمكنه ان يملؤك بالحنين لاشخاص ذهبوا..ولرسائل لم ترسل يوما... يمكنه ان يعصرك ليخرج اكثر ذكرياتك حزنا..يفتح صناديقك الخشبية ليفتش بين الصور القديمة..والاحاديث التي كنت تتحدثها مع نفسك متظاهرا انك تقتسمها مع شخص اخر...حقا مذهل

الثالثة صباحا...احاول ان انام..اقرر انه ليس هناك من مهرب سوى بالنوم..النوم العميق ان تحرينا الدقة..ولمزيد من الدقة..النوم العميق الخالي من الاحلام..ولكني لا افعلها..كالعادة لا افعلها

فقط.. انظر الى تلك الصورة واشرب المزيد من الليمون بالعسل..اتناول ادويتي في استسلام محبب... وانتظر