Friday, April 24, 2009

وصية


اجلس على سيراميك غرفتي البارد بعد يوم طويل في ترتيبها وتنسيق دولاب الملابس..انظر الى دولابي الكبيرو افكر في مدى حاجتي الى كل تلك الملابس والحقائب


لا ادري لماذا افكر في الموت كثيراً مؤخراً..افكر في اشيائي الحميمة..لمن سأتركها وماذا سيكون مصيرها بعدي
دفتري الازرق الكبير الذي يحوي افكاري ومشاعري..انتصاراتي وهزائمي..ربما قطعة من روحي كذلك..خاتمي الفضة ذو الفص الفيروز هدية امي لي...الارنب الابيض الكبير وفيونكته الزهرية هدية دعاء لي...فوزية وريهام.. وسارة اختي..أمي وأبي


اقرر اني سأكتب وصيتي..سأكتب وصية طويلة اشرح فيها كل لحظات ضعفي التي كنت ادعي فيها القوة....سأشرح كذلك لماذا كنت عنيدة جدا في بعض الاحيان..سأعتذر عن كل زلات اللسان التي بدرت مني..وعن لحظات جبني


يقول أحمد دوما ان الموت علينا حق..لا اعتراض لي على كلمته هذه ابدا..ولكن المشكلة انه يأتي فجأة بطريقة لاتمكنك من قول الوداع..نعم الوصية هي فكرة رائعة ولامعة


افكر ان احد لن يستطيع ان يتعامل مع اشيائي بطريقتي..ربما ستفتقدني ان غبت مدة طويلة.. ستفقد لونها والحياة التي تختزنها بداخلها


في وصيتي سأطلب ان لا يبكي احد علي..ربما يبكون قليلا بدون صوت..ولا اريد ان يرتدي احد السواد..طالما احببت الاسود في كل المناسبات ماعدا الجنائز..اشعر انه يزيد الميت موتا ويزيد الحزين حزنا..ولكنه في مناسبات اخرى يمنح الدفء حتماً..ربما يرتدون لونا دافئاً كالاحمر لو توفيت في الشتاء..او لونا منعشا كالاخضر لو توفيت في الصيف


مجموعة ماوراء الطبيعة لدكتور احمد خالد توفيق بأكملها سأتبرع بها لمكتبة مصر الجديدة..عتبات البهجة سيذهب لهبة..فوضى الحواس سيذهب لنادين..ازهار للسيدة هاريس سيذهب لأختي سارة..مصحفي الصغير ستأخده امي ليساعدها على تخطي موتي كما ساعدني في الكثير..كل روايات اجاثا كريستي سـتأخذها سارة ايضا


ملابسي لن يأخذها احد..سأتبرع بها لجمعية خيرية..خصوصاً الجوارب والاحذية والكوفيات الصوفية الثقيلة ماعدا القطنيات..جميع القطنيات تذهب لأختي..اعرف كيف يتحسس جلدها في الصيف من الحرارة الشديدة ولاشيئ كالقطن يساعدها


لا اريد كذلك عادة الثلاثة ايام التي نشتهر بها نحن الجنوبيون..يوم واحد من الحزن علي يكفيني..يوم واحد من البكاء والافتقاد يكفيني..يوم واحد من الانكسار يكفي..يكفي جدا


سأدفن في مدافن عائلة أمي بالتأكيد..تحديداً بجانب أمي زينب


ربما سأطلب من فوزية وريهام ان يقيموا حفلة على شرفي بعد موتي..لا اريدهم ان يجتمعوا ويبدأوا البكاء علي وعلى شبابي الضائع..اريدهم ان يستمتعوا بحياتهم وان أظل بينهم كشبح طيب يستحضر ذكريات جميلة ورائعة وليس كظل شرير يكتم الانفاس ويستحضر الدموع..بعض القران سيفيدني بالتأكيد


جميع مجوهراتي ستقتسمها أمي وأختي وخالاتي وسماء ابنة خالتي


اعرف انها انانية مني ان اتمنى ان اموت قبل أمي وأبي وجميع من أحب..لكني لم أتعامل مع الموت من مسافة قريبة قط كنت كلما اسمع عن موت قريب ما اترحم عليه..احزن قليلا..وأتابع يومي كالعادة..أحمد الله على اني لم احزن حزنا عميقا يقتلعني من جذوري ولا اعتقد اني استطيع ان اتعامل مع حزن كهذا


بعد حزن كهذا اثق في ان الاخرين سيعيشون..سيتذكرون من حين لأخر ولكنهم في النهاية سينسون..في النهاية سيكون جرحهم قشرة رقيقة قبل ان يشفى بالكامل..ولكن انا سيظل جرحي عميقا غائرا قبيح الشكل ينزف طوال الوقت..حتى وان لم يره الاخرون

Monday, April 6, 2009

ليمون وعسل


استيقظ بألم حاد في حلقي..أدرك ان الانفلونزا استولت علي تماما

حين امرض اشعر اني وحيدة..ان الحياة تخلت عني بقسوة غير مسبوقة..اجلس على الهامش في هدوء اتناول ادويتي واشرب الليمون بالعسل..اسعل بشدة..وانتظر

في الثامنة مساء...اختنق في زحام الكوربة...الطريق لايتحرك ويبدو ان جميع من يملكون سيارات في القاهرة قد قرروا ان الكوربة هي جنة الله في الارض...ذلك المكان يصبح متوحشا بحق في المساء اسعل بصوت عالي فتنظر لي السيدة المجاورة شذرا وكأنه ليس من حقي ان افعلها في مكان عام ولكني اواصل سعالي بتحدٍ...منذ فترة طويلة كففت عن التفكير فيما سيظنه الناس بي..فقط افعل ما يحلو لي حينما اريد

لا اقوى على التنفس..اقل حركة تشعرني بالتعب ولكن المتعب حقا هو غياب الحياة في حضرة المرض..لاشئ يشم ولا شئ يذاق..كل الروائح والمذاقات اختفت..حتى طعم المرارة اختفى..فليكن كنت اتذمر دائما اني احتاج الشيكولاتة دائما معي لكي اتغلب على طعم المرارة الذي يرافقني..الان اختفت المرارة..مؤقتا ربما ولكنها اختفت..كل ما احتاجه حاليا هو العسل..اسخر من نفسي وانا افكر اني احتاج العسل ليعيد لي مرارتي التي تعودت عليها وألفتها

حين امرض..تتلقفني الافكار والهواجس..تقيم حفلة على شرفي..تخبرني بشر شديد ان اليوم لا مفر لي منها..استمع الى موسيقى الياس الرحباني وعمر خيرت واحاول الابتعاد عن هواجسي وعن الكوربة وعن ذلك المقعد بجانب الكنيسة الذي اتجاهله كلما مررت به

حين امرض..احتاج الى ان يحضر لي احد ما مجموعة من النكات المضحكة..والذكريات السعيدة..والاخبار الجيدة..والابتسامات الصافية...احتاج الى ان يصنع لي احد كوب كبير من الليمون بالعسل ويقدمه لي..يتحسس جبهتي ليتأكد ان حرارتي عادية.. يغطيني ويجلس بجانبي ليقرء لي رواية نهايتها سعيدة..احتاج الى ان اتحدث والى ان استمع والى ان اضحك

العاشرة مساء..تملؤني رغبة قوية في شرب شيكولاتة ساخنة..لكني اتراجع فلا شي اقسى من المرض الا عدم تمكني من تذوق الشيكولاتة...بعد تفكير استبدلها بكوب بابونج ساخن ظلت امي تنصحني بشربه منذ يوم كامل وانا اتهرب منها

الواحدة صباحا...مذهل مايستطيع ان يفعله بنا المرض..بأجسادنا الواهنة وقلوبنا الاوهن..وارواحنا الهشة...مذهل كيف يمكنه ان يملؤك بالحنين لاشخاص ذهبوا..ولرسائل لم ترسل يوما... يمكنه ان يعصرك ليخرج اكثر ذكرياتك حزنا..يفتح صناديقك الخشبية ليفتش بين الصور القديمة..والاحاديث التي كنت تتحدثها مع نفسك متظاهرا انك تقتسمها مع شخص اخر...حقا مذهل

الثالثة صباحا...احاول ان انام..اقرر انه ليس هناك من مهرب سوى بالنوم..النوم العميق ان تحرينا الدقة..ولمزيد من الدقة..النوم العميق الخالي من الاحلام..ولكني لا افعلها..كالعادة لا افعلها

فقط.. انظر الى تلك الصورة واشرب المزيد من الليمون بالعسل..اتناول ادويتي في استسلام محبب... وانتظر

Saturday, March 28, 2009

فعل..بدون اسباب


لا شئ يستدعي الكتابة حقا..كل شئ يسير عكس الطريقة التي اريدها..ولكني مستسلمة تماما


الاستسلام..نعم الاستسلام شئ رائع واختراع عبقري انصح الجميع باتباعه..لاشئ يعيب ان تطفو مع التيار وتترك الحياة تأخذك الي حيث تريد هي..ربما ستتفاجأ في النهاية بما ستصل اليه


رغم كل شئ لا اشعر بالغضب..اشعر فقط اني مخدرة وكأن احدهم سقاني"حاجة اصفرة" وينتظر الوقت المناسب للهجوم علي ولكن الذي لا يعرفه اني شريرة للغاية استطيع ا ن اكون باردة جدا واخيب جميع الظنون التي تتبنى فكرة انهياري بالاستسلام

لاشئ يستدعي الكتابة حقا..ولكن افعل

هناك ذلك الشخص الذي يقول عني "احتوائية"..لا افهم الكلمة في البداية ولكنه يقول لي انها مشتقة من الاحتواء..رأيه اني ناجحة تماما في احتواء من اعرفهم...هذا شئ جيد اليس كذلك؟..شئ يستحق الكتابة عنه..اليس كذلك؟


هناك تلك الرحلة الممتعة لاطلال حديقة الحيوان..وبالرغم من ان معظم الحيوانات مصابة باكتئاب حاد وشره مرضي الا اننا لم نبالي ابدا..اعتقد اننا كنا نسترجع اخر رحلة لهذه الحديقة منذ ما يقرب من عقد كامل من الزمان او اكثر عندما كانت الحيوانات سليمة ومعافاة ولاتسمى بأسماء سخيفة على غرار فوزي كلب البحر وزوجته فوزية ومتولي الاسد..ونعيمة انثى الفيل المثيرة للشفقة


هناك ذلك المخلوق الصغير الرائع الذي يحيطني بحب لم اشهد له مثيل..والذي يقبلني بلا سبب على الاطلاق..والذي اصبح اخيرا ينطق اسمي بشكل صحيح وبطريقة رائعة جعلتني اعيد اكتشافه من جديد


في الواقع الاشياء التي لا تستدعي هي من اهم الاشياء واكثرها سخافة وقربا من القلب والروح..ربما ان امعنا النظر قليلا سنرى شء اجمل قادم في الطريق ولكننا لا نستطيع رؤيته جديا بسبب كل ذلك الضباب


اصبحت الكتابة فعل مفاجئ..يحدث في اي مكان واي زمان..فعل فاضح بعض الشئ..يجعل الاخرين ينظرون اليك بفضول ووقاحة وانت تكتب في دفتر ازرق كبير اثناء جلوسك في الميني باص الاخضر ولكن المزعج بحق انك تتحمل كل ذلك بسبب لاشئ..لاشئ يستدعي الكتابة حقا ولكنني افعل على سبيل "ربنا مايقطعلنا عادة" او على سبيل "الفضفضة" او حتى لمجرد الحكي الفارغ الخالي من المعاني المستترة..مجرد رغي مش اكتر


ولكن برغم كل شئ هناك اشياء تستحق الكتابة عنها..تستحق ان افتح الدفتر الازرق الكبير واكتب بخط غير واضح بفعل مطبات الطريق الكثيرة كم انا سعيدة هذه الايام..اكتب ايضا ان الله يثبت لي دائما ويذكرني اني لست بهذا السوء..تستجاب دعواتي بعد كل شئ..احب حقا ان اعتقد ذلك..تستجاب دعواتي التي دعوتها وانا في الحرم الواحدة بعد الاخرى ببطئ ولكن بتصميم شديد


نعم..اكتب حتى لا اجن..او حتى لا يزيد جنوني..اعرف ذلك الان


اكتب حتى لا اكذب..فقط حين اكتب اصير واحدة من القديسين


اكتب لأن الكتابة علاج...علاج ناجح تماما


اكتب لاني حين اكتب لا أكون هنا

Tuesday, March 17, 2009

عن الفتاة


هي... الفتاة الغير جذابة..الفتاة الخفية التي لايراها احد ولا يشعر بها احد..تصلح دوما لدور الصديقة
الجيدة..المخلصة...ولكن دور الحبيبة لم يكن يناسبها..غالبا هي نسيت انه يوجد دور بهذا الاسم


هي...الفتاة الهادئة..الفتاة التي تقرأ للقباني وجويدة ودرويش وتشعر ان هناك شئ رائع ينتظرها مباشرة بعد ان تغلق الكتاب

هي..الفتاة الحالمة حتى الثمالة..التي تشعر ان احلامها هي واقعها وان واقعها هو في الحقيقة مجرد كابوس اخر...الفتاة

التي تدرك تماما ان لاشئ سحري سيحدث وان النهاية السعيدة تكون في الافلام العربي القديمة فقط ولكنها مع ذلك تحتفظ بحقها في الحلم

هي...الفتاة التي تستمع دائما لحكايا صديقاتها عن احبائهم ومعجبيهم فتكتفي بالابتسام لانه لاشئ لديها لتقوله...الفتاة التي تسديهم النصائح فيما يتعلق بتلك الحكايا فلا يستمع اليها احد على اعتبار انها بدون خبرة في تلك المسائل

هي...الفتاة خفيفة الظل الضحوكة دائما..فقط لتخفي ما تريد قوله فعلا..وربما لكي تخفي شيئا اكبر من مجرد كلمات

عن تلك الفتاة اتحدث


تلك الفتاة لن تهتم كثيرا بمظهرها المثير للشفقة نوعا ما..تحاول بقدر الامكان ان تقنع نفسها انها جميلة من الداخل بدرجة تفوق كل تصورات الاخرين..ولكنها رغم ذلك تحاول احيانا ان يحاكي مظهرها مظهر الاخريات..تحب ان تطلق عليهم" الدجاج" الفتيات اللاتي لايملكن عقلا تماما.. حتى ان كانت قطعة صغيرة منه...ومع ذلك هن جميلات كمطر يناير

هي نفسها الفتاة التي تمتلك مجموعة صديقات يحاولن محاولات يائسة لجعلها تندمج مع عالمها...يحاولن اقناعها ان تكون في النهاية..دجاجة اخرى

هذه الفتاة التي تحب في صمت..وتشتاق في سكون..وتحن بجنون لشخص مازالت تأمل انه يعرفها ويتذكر صوتها..مازالت تأمل انه موجود

الفتاة المطيعة دائما..التي تسمع الكلام دائما...الخائفة دائما...التي لا تتأخر عن الثامنة والنصف لأن وجود البنت في الشارع بعد الثامنة ونصف وخمس دقائق عيب

تلك الفتاة التي تسكن تحت جلدها طفلة صغيرة تحب المطر والشيكولاتة وتوم وجيري...التي تسعدها اي هدية حتى وان كانت حضن كبير

الفتاة الطيبة الساذجة..الشريرة الخبيثة احيانا اخرى..ولكنها الطيبة في معظم الحالات

عن الفتاة العادية..العادية جدا لدرجة غير عادية..اتحدث

احيانا..هي حالمة..مساءا وصباحا حالمة..تطاردها احلامها كما لو كانت كوابيس ولكن الاختلاف الوحيد انها ترحب بتلك المطاردة بل وتتمناها..واحيانا هي واقعية..واقعية حتى اكثر من صخرة الواقع التي تتحطم عليها احلام البشر

متناقضة؟...بالطبع هي كذلك

تعصف بعقلها الف فكرة في الدقيقة..فقط ليتبدلوا بألف فكرة اخرى في الدقيقة التي تليها...ومع ذلك تبدو رائقة المزاج..خالية البال

هي الفتاة التي لن تكون ابدا مثيرة...ولن تتفجر الانوثة منها يوما...لن ترقص لأحد بدلال... ولن يحاول احدا ن يمسك يدها عنوة

لن تخبرك ابدا انها تحبك وانها تشتاق اليك..لأنه "عيب"..فقط ستنظر اليك بصمت وستتمتم بكلمات غير مفهومة لك وعندما تسألها ماذا تقول...ستقول لك لاشئ...ولكن الحقيقة انها كانت تعترف بحبها واشتياقها وربما بجنونها لانها لم تتكلم بصوت عالي

الفتاة المجنونة التي يظهر جنونها في اروع اللحظات فقط ليكتشف الاخرون جوانب منها لم تظهر من قبل..الفتاة التي تفتح النافذة في شهر يناير وتسمح للبرد بالدخول لكي تستمتع بعد ذلك بالدفء
الفتاة الحنونة..التي تربت عليك بحنان وانت تبكي وتشكي مرارة احزانك..وتدعوك بعد ذلك الى ايس كريم مانجة "من عند قويدر لزوم الفرفشة"..تلك الفتاة التي تشعر انك تعرفها حتى وان لم تكن تعرفها..والتي تحبها من قبل ان تعرفها
هي الفتاة التي تستطيع ان تخبرها انها احتوائية بضمير مرتاح..لأنها تحتويك بالفعل..تحتويك بطريقة رائعة وعفوية..طريقة خالية من الاغراض الخفية...
الفتاة العادية..العادية جدا..لدرجة غير عادية...هي تلك الفتاة التي اتحدث عنها

Saturday, February 28, 2009

أمي زينب


جدتي...ام امي

لم اكن اناديها جدتي..لانها لم تكن بالنسبة لي جدة..كانت ام لذلك كنت اناديها امي..ليس ماما ولكن امي

تقول ماما اني بدأت انادي امي زينب بهذا الاسم عندما تركتني معها لمدة ثلاثة اسابيع وذهبت للحج..عادت لتجدني اقول..امي..كما يقولها أخوالي وخالاتي

لا ادري السبب الحقيقي الذي دفعني للكتابة عنها فأمي زينب من الاشياء المدفونة عميقا في روحي..لا احد ممن اعرفهم يعرف عنها اقل القليل لاني لم اكن اتحدث عنها كثيرا..ربما كنت اخاف ان اخطئ في تذكر تفصيلة من تفاصيلنا الكثيرة معا عندها سأعرف يقينا ان رحلة النسيان قد بدأت

تقول ماما اني اشبهها كثيرا...يقول الجميع اني اشبهها كثيرا في كل شئ

في طريقة تعاملها مع الحياة.. في حسن النية القريب جدا من السذاجة مسيطر على كل تصرفاتها...في"نفسها" في الطبخ..في تفننها في اختراع أكلات جديدة او قضائها فترة الصباح بأكملها في المطبخ لمجرد تطوير اكلة قديمة لا نحب طعمها... في اهتمامها بأقاربها وصديقاتها وحملها "الملاية اللف" بمجرد سماع خبر موت احد معارفها او مرضه او ربما حزنه حزن طفيف

كانت امي زينب سيدة عادية..لم تكمل تعليمها او بالاحرى لم تبدأه قط..تزوجت في سن صغيرة من ابن عمها بالطبع..ام لثلاث اولاد وثلاث بنات تحتل ماما المرتبة الثانية بينهم ..عاشت كل حياتها في حي السيدة زينب..لم يكن بيتها كبيرا ولم يكن يحتوي على حديقة..كان صغيرا وقديما "اثري" ككل شئ تقريبا في ذلك الحي...ولكنه كان رحبا جدا بالنسبة لي لاني لم اكن احتل الا جزء صغير جدا هو حضن امي زينب...حضنها الذي كان يعبق دائما برائحة الصندل ومسك خفيف...حتى هذا المكان كان رحبا جدا بالنسبة لي

عندما كنت اتخيل معنى كلمة دفء..كنت اتخيل بيت السيدة..وامي زينب واقفة في المطبخ تسلق ثلاث دجاجات من الدجاج الذي تربيه فوق السطح..كانت هوايتها الوحيدة هي تربية الدجاج والبط والحمام و الاوز...والذي لم يكن مسموحا لاحد بأكل اي شئ منه ان لم اكن موجودة..وفي كل سنة في شهر رمضان كانت امي زينب تشتري فانوس رمضان وتحتفظ به لي به فوق "بلتكانة" الستارة...يظل الفانوس في مكانه هذا الى ان يحين موعد وصولنا في الصيف..عندها فقط كان الفانوس يتحرك من مكانه..اعتقد اني لم افرح بشي بقدر فرحتي بهذه الفوانيس المؤجلة

اليوم...وجدت صورة قديمة لي وانا حديثة الولادة وامي زينب تحملني وهي فخورة وكأنها تحمل جائزة ما...كانت مبتسمة ولكن اثر الدموع في عينيها كان واضحا..هكذا كانت..تبكي وهي سعيدة..وتبكي وهي حزينة..هذا شئ انا اكيدة تماما اني ورثته منها
اليوم ايضا..بكيت عندما لم اقدر ان استعيد ملامح وجهها وابتسامتها بدون الرجوع لتلك الصورة

عانت امي زينب كثيرا من ظلم بعض الناس لها ومن مرارة بعض الاحزان ومن فراق من تحبهم....ولكني لم ارى احدا يسكن في قلبه هذا الكم من الرضا كما رأيته يسكن قلبها...ولم اعرف معنى كلمة رضا كما عرفتها من امي زينب...لم تكن تدعي الرضا ولكنها بالفعل كانت راضية عن كل شئ حتى اخطائها...كانت خالتي-عندما تغضب منها- دائما تطلب منها ترك تلك السلبية والتصدي لمن يريد اذيتها واذية اولادها..وعندما ترى خالتي انه لا فائدة من الحديث وتذهب..كنت اسألها "ليه يا أمي مش بتعملي زي ماخالتو بتقول علشان متزعلش منك"
كانت تنظر الى السماء وتتمتم ببعض الادعية...عندها كنت أرى نظرة الرضا تلك في عيناها.. اذكر انها كانت تحتضنني بشدة اكبر وتصمت..وحدي كنت اعرف انها لن تفعل شيئا سوى البكاء فيما بعد بمفردها..وحدي عرفت انها كانت تنتظر قوة اكبر منها ومن الجميع

في ذلك الشتاء كانت مدينة الرياض ابرد من العادة...في ذلك الشتاء تلقينا خبر موت امي زينب..وقتها كنت في الصف الاول اعدادي فقط...
انهارت امي تماما ولم يكن بمقدورها ان تشرح لي او لسارة معنى الموت... ولكني فهمت بمفردي معنى الموت..موتها هي بالذات..ادركت بدون مشقة انها ذهبت الى السماء التي كانت تنظر اليها كثيرا عندما تبكي ..

ماتت امي زينب وهي لم ترى معظم اولادها..بسبب السفر والغربة..ماتت وانا لا أملك منها الا صورة قديمة لي ولها..وتهويدة حفظتها منها..اغنيها لجميع احفادها الذين ولدوا بعد ان ذهبت

.وعندما سألتني سارة بكل براءة "هو في ايه؟"
"امي ماتت ياسارة".."انا مش بحب الغربة ياسارة علشان امي ماتت واحنا مش معاها"

"يعني ايه غربة دي؟"

"غربة يعني حد بتحبيه قوي قوي يموت وانتي متقدريش تحضنيه وتبوسيه"

Saturday, February 21, 2009

دفاعا عن الشر


لطالما كنت اتسائل لماذا يجب ان يتحمل الشرير في الافلام اللوم على جميع المصائب التي تحصل للبطل والبطلة ..وربما يتلقى اللوم على المصائب التي تحصل للمنتج والمخرج والمشاهدين كذلك

لماذا يجب ان يحسبن عليه البطل وهو يسبل عينيه في تقوى زائفة بينما يقف خلف القضبان بسبب القضية التي لفقها له الشرير ليفوز هذا الاخير بحبيبة البطل المذكور والتي غالبا ما تكون بارعة الجمال خاوية العقل كدجاجة كما جرت العادة

لطالما كنت اتسائل...لماذا لم يستخدم البطل عقله ..ذلك الانذار المثبت في مؤخرة رأسه ليعرف نوعية ذلك الشخص...لماذا يجب ان يثق في الناس بهذه السذاجة ففي النهاية ليست الحياة ذلك المكان المسالم كما يتوقع البعض


والبطلة..ماذا عن البطلة...الايوجد ما يدعى بالتفكير المنطقي يا اخوان؟


كيف يمكنها ان تصدق وعوده بأنه سيخرج حبيبها السابق ذكره من غياهب السجون وهو السبب الاساسي في دخوله السجن من الاساس..ولماذا تذهب اليه دائما في وقت متأخر من الليل والامطار موشكة على الهطول...دوما موشكة على الهطول حتى وان كنا في شهر اغسطس


تذهب اليه لتجده يلبس ذلك الروب الحريري القبيح-احمر اللون غالبا-وهو يفتحه قليلا ليظهر صدره المشعر وهو دليل على الرجولة والعنفوان كما يبدو...تجده وهو يقشر التفاح الاحمر بخنجر ما ويشرب منقوع البراطيش ذاك في كأس صغير لا يروي عطش طفل رضيع وهو يدعوها للشرب معه


في حين يكون باب غرفة نومه مفتوح على مصرعيه كاشفا عن سريره العريض كناية عن الاشياء المروعة التي ستحدث بعد قليل


برغم كل تلك المظاهر وبرغم شاربه الرفيه الذي يشي كم وغد وزنديق تذهب اليه لتخبره بكل شجاعة وبسالة ما نعرفه جميعا...بل ما يعرفه هو شخصيا


ممدوح برئ يا مراد


ولكن قبل ان تكمل جملتها التي استغرقت في حفظها شهرا بأكمله يكون باب غرفة النوم قد انغلق عليهما وازدادت حدة هطول الامطار وقوة الربق والرعد...دليلا على الاشياء المؤسفة التي تجري بالداخل


في الحقيقة لا الوم الشرير كثيرا...بل الوم عقل الدجاجة تلك على تصديقه بعد كل ما جرى بعد ان تأكدت انه فقط ينقصه الشوكة والقرون ليصبح شيطانا بالكامل


ولماذا تذهب اليه في الليل...ولماذا تذهب وحيدة..الم يمكن ان يذهب معاها أخوها حمادة..صبي المكوجي..ابن الجيران...اي انسان


وفي يوم اصدار حكم الاعدام على ممدوح البرئ من تهمة قتل محولجي السكة الحديد...تولول امه بصوت يشبه جرس الانذار..ويدعو ابوه على ابن الحرام اللي رماه الرمية دي...وتأتي البطلة المطعونة في قلبها وشرفها بفستان اسود وحذاء اسود استعدادا لموت الحبيب...ترمي الشرير بنظرات نارية وتذهب لتعترف لحبيبها المظلوم بما فعله بها ذلك الزنديق وترجوه ان ينساها ولا يفكر بها بعد الان لانها لم تعد تناسب وضع حضرته بعد ما كان بينها وبين ابو رجل مسلوخة ولكنه وبكل شهامة ونبل وفروسية يرفض ذلك تماما ويعترف لها بأنها حبه الوحيد والاخير-طبعا الاخير لانه سيموت بعد قليل-ويدخل في نوبة قوية من التسبيل لها


وقبل ان ينطق القاضي حكم الاعدام..وفي تطور درامي رائع في الاحداث يكتشف وكيل النيابة ان الشعرة التي وجدوها في يد محولجي السكة الحديد لا تخص ممدوح انما تخص مراد ذلك الزنديق الذي يستعمل صبغة بايجون...تكون النهاية الغير متوقعة-طبعا-بأن يدخل الشرير السجن ليحاكم محاكمة عادلة ويعدم ويعيش البطل والبطلة في سعادة ابدية بدون اي مشاكل ولا مشاجرات بسبب مصروف البيت


تعلمنا الروايات دائما ان الشر ينهزم في النهاية والكلمة الاخيرة تكون للخير لأن الشر ضعيف ومهترئ دوما...ولكن من قال ان الروايات صادقة ..ومن قال انها تحاكي واقعنا

ليست غلطة الشر انه وجد له مكانا في حياتنا ولكنها غلطة الخير..بضعفه وسلبيته وصوته الضعيف دائما...الخير هو من يتيح للشر ان يكون شرا

ولذلك ادافع عن الشر يكفيه ما يعانيه من اتهامات باطلة بسبب قلة عقولنا وجهلنا احيانا واعتقادنا ان الطيبة =سذاجة